الأبطال الذين بنوا ذواتهم من رماد نار أبدانهم

في شمال شرق سوريا، تجري محاورات ومفاوضات من أجل الاندماج، بمساعدة بعض الدول لإيقاف الحروب. وتأتي استجابة “قسد” هذه أيضاً انطلاقاً من مبدأ إيقاف الكفاح المسلح، كما طلب القائد من الرفاق في الجبال، والسير على خطط سياسية واستراتيجية لإيقاف سفك الدماء، والبدء بالمحاورة والجلوس على طاولات المفاوضات، والمطالبة بحقوق شعوب شمال شرق سوريا (والكرد خاصة)؛ فمن حق جميع الشعوب العيش بسلام.
كما بدأنا حماية مناطقنا منذ 15 عاماً، كانت “الحكومة المؤقتة” قد بدأت في التاريخ نفسه، حيث كانت هناك تنسيقات في رأس العين وتل أبيض وتل تمر؛ كنا في الخندق نفسه في بداية الثورة، وكان الهدف للجميع هو حماية شعوب المنطقة من الإبادات ونهب وسلب حقوق الشعب من قبل الدولة السورية الهاربة. ولكن بعد توسع نفوذ “الجيش الحر” ومتطلبات داعميه من الدول الأخرى، أصبحت أهدافهم غير مرئية للجميع، وإن كانت سياسياً واضحة، وهي إعادة الحكم المركزي لسوريا.
اليوم، وبعد مفاوضات معقدة وسياسية بحتة في شمال شرق سوريا، كانت من نتائج بعض هذه المفاوضات: الاعتراف باللغة الكردية وتدريسها في المناطق الكردية، دمج شعوب المنطقة في المؤسسات الحكومية مع شغل مناصب حسب معايير الثقافة والعلم، ومن الناحية العسكرية أيضاً، ومنح الجنسية السورية للمكتومين الكرد، واعتبار عيد “نوروز” رمزاً كردياً معترفاً به في الدولة.
جاء هذا بعد تفاهمات واتفاقات داخلية وخارجية. ومع ذلك، تبقى هذه الاتفاقات وهذا الاندماج حلاً مؤقتاً؛ إذ يجب على الدولة نصّها في دستورها بما يضمن الحقوق الثقافية والحكم المحلي ضمن قانون ملزم. لقد قدمت قوات سوريا الديمقراطية آلاف الشهداء والجرحى في المسيرة الثورية في سوريا، وأوقفت زحف “داعش” إلى الدول الأخرى؛ لذا لا يمكن لنا الوقوف جانباً والتخلي عن ثورتنا وخطى شهداء الحرية. لا ننسى بل يجب أن نذكر أن مقاومة الشعب هي من جعلتنا نصل إلى هذا المستوى من السياسة والقوة العسكرية. نحن نؤمن بشعبنا، وإن مقاومة الشعب في ظل هذه الظروف الصعبة هي بمثابة الدفاع المشروع. ورغم كل الضغوطات الاقتصادية والحروب، بقي الشعب متمسكاً بالإرادة والصمود، فما نراه في الفترة الأخيرة من ضغوطات اقتصادية ومعيشية صعبة، نرى أن الشعب لا يزال متمسكاً بالدفاع المشروع. هذه الإرادة تجعلنا نستمد القوة من شعبنا والتمسك بأسس ثورتنا.
● نذكر أيضاً سجون ديار بكر؛ ففي 14 تموز 1982 بدأت مقاومة السجون في السجن العسكري رقم (5) الذي أراد سحق الهوية واقتلاع الكرامة. لم تُستخدم فيها الرصاص، بل صيغت تفاصيلها بالأجساد النحيلة والأمعاء الخاوية في سجن ديار بكر تحت إدارة العقيد “أسعد أوكتاي يلدريم“.
كان السجن مختبراً لإذابة الهوية الكردية واليسارية بطرق التعذيب الممنهج بالكهرباء والحرمان من النوم وإجبار السجناء على ترديد الأناشيد العسكرية التركية؛ كان ذلك طقساً يومياً، مع منع الآباء والأمهات من التحدث بلغة الأم مع أبنائهم خلف القضبان، وانتزاع الإنسانية وإيصال المعتقلين إلى الاستسلام الفكري والجسدي الكامل. وهنا بدأت المقاومة التاريخية، وهي التضحية بآخر ما يملكه المعتقل، أي حياته. “صيام الموت” لم تكن قاعدة المحكمة العسكرية تتوقع المفاجأة بهذه الإرادة والقوة من المقاومة والتضحية، ووصولهم إلى المحكمة بأجساد منهكة تحمل ندوب سياط الجلادين. ووقف القيادي (*محمد خيري دورموش*) يخرق صمت القاعة ليعلن أمام القضاة العسكريين إضراباً صارماً عن الطعام حتى الوفاة (*صيام الموت*) احتجاجاً على الوحشية والتعذيب وإنكار الحق في الدفاع السياسي. لم يكن مجرد تهديد، بل شرارة أشعلت زنازين ديار بكر. انطلقت الملحمة بلا طعام أو رعاية طبية، فقط قليل من الماء والملح وعزيمة تفوق صلابة الحديد المحيط بهم. تساقطت الأجساد وصعد رموز التاريخ؛ كانت الأجساد تذبل يوماً بعد يوم، تغور العيون وتتصلب المفاصل، ولكن المعنويات كانت ترتفع كلما اقترب الموت. كان الجلادون يراقبون بذهول كيف يتحول الجوع إلى سلاح هجومي يربك منظومتهم الأمنية.
وبعد (53) يوماً من الصمود الأسطوري، ارتقى *كمال بير* شهيداً، وتلاه بعد أيام المهندس *محمد خيري دورموش* في اليوم (61) الذي كتب وصيته الشهيرة: “اكتبوا على قبري: إني مدين لشعبي“. وفي يوم (63) ارتقى *عاكف يلماز*، و*علي جيجك* في اليوم (65). ارتقوا إلى الشهادة وكانوا رموز المقاومة. لم يكن انتحاراً جماعياً، بل إعلاناً عن ولادة “روح المقاومة” التي نقلت القضية من قبو السجن المظلم إلى العلن الدولي، وأجبرت السجون على التخفيف من أساليب التعذيب والاعتراف بأسلوبهم الدموي.
رحل العقيد “أسعد أوكتاي يلدريم” وظل اسمه وصمة في سجلات حقوق الإنسان، بينما تحول شهداء “صيام الموت” الذين ارتقوا جوعاً إلى أسطورة ألهمت الأجيال اللاحقة، وصيغت حولهم الروايات والأفلام السينمائية. لقد أثبتت مقاومة 14 تموز في ديار بكر، وبأقسى طريقة ممكنة، أن الجدران العالية والبنادق قد تأسر الجسد، لكنها تعجز عن تكبيل إرادة ترفض الانحناء.
ستبقى رؤوسنا شامخة بفضل مقاومة الإرادة والإصرار التي رسخت ونقشت في دمائنا. كما قال القيادي محمد خيري دورموش: ((إنني مدين لشعبي))، نحن اليوم مدينون لكم ولمقاومتكم التي جعلتم منها سداً قوياً ومنيعاً ضد كل من يحاول سحق هويتنا. المجد والخلود للشهداء عامة، وشهداء مقاومة صيام الموت.
بقلم الرفيق إبراهيم حسكة



