
تطور عصر الحضارة الديمقراطية:
إن تطور عصر الحضارة الديمقراطية يستند إلى أساس تقني وعلمي وإيديولوجي ملموس. فقد أدت التقنيات المعتمدة على الطاقة النووية والإلكترونية بالإضافة للتقنيات الفيزيائية والميكانيكية إلى تغيرات جذرية في الأساس المادي للمجتمع. فإذا تم استخدام هذه التقنيات في مكانها الصحيح، فإنها كقنبلة بتفتيت سلسلة الفقر الناجمة عن التمايز الطبقي واللامساواة الاجتماعية. وقد أثبتت التحليلات العلمية أن تقسيم المجتمع إلى طبقات تنعدم فيه المساواة الاجتماعية ناجم عن تخلف وسائل الإنتاج ولا سيما التخلف التقني. حيث أنقذت الثورات التقنية التي تحققت في النصف الثاني من القرن العشرين المجتمع من هذه السيطرة، وقضت على الأرضية المادية للمؤسسات المعتمدة على اللامساواة. وإذا تم الوصول إلى علاقات إدارة اقتصادية وسياسية تجعل من استخدام التقنية في خدمة كافة فئات المجتمع ممكناً، فإن ذلك سيؤدي إلى تطور الحرية والمساواة الإنسانية في ظل البنيان التقني، كان هذا الإنجاز عبارة عن حلم في الماضي بيد أن امتلاك عصر الحضارة الديمقراطية المعاصرة للوسائل المناسبة جعل تحقيق هذا الحلم ممكناً على أرض الواقع.
وبهذا المعنى يمكن اعتبار التقنية عامل تحرر أساسي، وفي حال استخدامه بشكل معاكس فإنه سينقلب إلى وحش مدمر بيد القوى الرجعية والأنانية. فقد تحولت التقنية إلى خدمة الحضارة الديمقراطية، ولكن المشكلة تنحصر في تحقيق النظام الديمقراطي للمجتمع والسياسة والدولة الذي يمكن أن يضع التكنولوجية وبشكلها الأكثر عطاءً في خدمة المجتمع. أما الميزة الثانية الأخرى لهذا العصر فهي الثورات العلمية ومجتمع المعلومات. فقد وصل العلم الذي كان عبارة عن مجال بحث في بيئة ضيقة، بسرعة فائقة إلى كافة شرائح المجتمع بفضل تكنولوجيا الاتصال. ومن هنا جاءت ولادة حقيقة مجتمع المعلومات، وبفضلها اكتسبت الديمقراطية والإدارة الذاتية قوتهما، إن المجتمع والدولة والسياسة المزودة بالمعرفة ومضطرة للعيش بشفافية وفي ظل نظام ديمقراطي متبادل. حيث تسارعت التطورات التي وثقت بين العلم والتقنية وفتحت الطريق لتغذي بعضها البعض. فهذه الظاهرة التي تحققت لأول مرة أدت إلى انفجار كبير في إمكانية الإنتاج. وبتنامي كافة المعلومات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والاجتماعية كالكرة الثلجية تحولت إلى مصدر قوة جبارة من أجل المجتمع.
بالنسبة للمجتمع والمشكلة تتلخص الآن في الوصول إلى نظام ديمقراطي في إدارة التقنية وفي استخدام العلم. العصر مرغم على الاعتماد على الإبداع والعلمية الأيديولوجية، وفي الأساس هناك علاقة وثيقة بين الاثنتين. أي كلما تم توضيح وتفسير العلاقات والظواهر بواسطة العلم يصبح الطريق ممهداً أمام الإبداع. وإذا ما تسلح الفرد بالمعلومات التاريخية والاجتماعية وسخر عقله لنظام ديالكتيك الطبيعة، يكون قد أمسك بإيديولوجية العصر دون أن يستسلم لقوة الدوغمائيات التي يعرفها. إن عصرنا الذي يعتمد على أيديولوجية لا تخلو من الخيال وفي نفس الوقت تستند إلى العلم، مؤهل للوصول بالحق والجمال إلى الأخلاق والفن، لأنه مزود بمعلومات واقعية وحقيقية عن كافة الظواهر والعلاقات. ومن المهم هنا عدم إهمال التدريب وبناء المؤسسات الخاصة بالفن والرياضة والتقنية والصحة التي تعد الحلقة الأخيرة من مواضيع التحول الأساسية، وعن طريق التعليم والتدريبات الجسدية والروحية والذهنية يمكن الوصول إلى الجانب المثالي.
يجب تطوير التعليم وفق نظام أكاديمي، كما يجب إعادة تنظيم الأنظمة الأكاديمية المتعلقة بمواضيع الفن واللغة والتاريخ والفلسفة واللاهوت والمرأة وفي مقدمتها مواضيع الطباعة والنشر بحيث تضيف قوة جديدة إلى الأسس الإيديولوجية والبرامجية للمرحلة الجديدة، كما يجب تناول التدريبات والتعليم السياسي والعسكري من خلال نظرة تحول أكاديمية وتصورات مشابهة، ويجب أن تحافظ عملية خلق الكوادر والمناهج على أهميتها بالانتباه إلى الواقع العالمي للدبلوماسية والأممية. أما النقطة الأخرى التي تزداد أهميتها يوماً بعد يوم، فهي إعادة تنظيم مؤسسات الطباعة والنشر الموجودة بما يناسب مع النهج للوصول بها إلى مستوى سد الاحتياجات من أجل تعليم الشعب وتدريبه في مجال الثقافة الديمقراطية، ليصل إلى مستوى الرد على التابعين للاهوت لأن أهمية ذلك تزداد مع مرور كل يوم، إن الشعب يتعلم السياسة الديمقراطية بشكل أساسي من هذه المؤسسات التي تعد الوسيلة الوحيدة لتلبية الحاجة للفن والخبر والتحليل، وبالتالي يجب توفير الكوادر المؤهلة للإشراف عليها بمستوى عال.
إن التحول إلى فرد متنور أصعب من التحول إلى حزب أو حزب معارض، وتطور الشخصية يعني ظهور المجتمع الحر، حيث يمكن لفرد مثقف أن يمثل مجتمعاً أو أمة في بعض الأحيان، بينما لا تمنح ثقافة الجماعة والعشيرة والعبد فرصة لتطور كهذا بسهولة، وعندما يعطي الفرد والمثقف حق مسيرته، حينها يحقق عدة حروب وأحزاب.
يجب أن نذكر دائماً أن الفنانين والأنبياء والفلاسفة والعلامون هم مسيرة نهضة وثقافة المرحلة التي عاشوا فيها، والمجتمع الذي لا يمتلك مثقفين يشبه القافلة التي لا مرشد لها، وقد تبتعد عن الهدف لمئات السنين عندما تضل السبيل، وهكذا تكتسب الثورة النهضوية والتنويرية أهمية لا يمكن التخلي عنها بالنسبة للمجتمعات، لأنها تخلق الأشخاص المتنورين من جهة ويخلقها المتنورين من جهة أخرى. ويحتاج كل من يدخل الطريق حديثاً إلى دليل ورائد ولاسيما المجتمعات والثقافات التي تستيقظ حديثاً. يمر السلام الحقيقي في الميدان الإيديولوجي من حرية الفكر. لقد تنبه الأوروبيون إلى أهمية حرية الفكر، بعد خوض الحروب الأيديولوجية الكبرى الممتدة طيلة قرون عديدة فجعلوها من أولويات الحقوق. تمهد حرية التفكير لإبراز نقاط الضعف والأخطاء الكامنة في مضمون السلوكيات الأيديولوجية، لتقود إلى هيمنة السلوكيات الأكثر واقيعة.
هكذا يتحقق العطاء الفكري. إن رفع الحصار الأيديولوجي المطوق للظاهرة الكردية في كردستان، ورفع الحظر عن الوسائل الإعلامية من كتب وصحف وسينما وإذاعة وتلفاز من أجل حرية التعبير، ليسا من دواعي الدمقرطة وحقوق الإنسان فحسب، بل يؤدي ذلك دوراً رئيسياً في المساهمة في خلق إمكانيات وفرص استيعاب المجتمع للحقيقة الواقعة، وتعرفه على المعلومات العلمية، وبالتالي تمكنه من أن يكون مجتمعاً معلوماتياً. إن اكتساب المعلومة الصحيحة هو الدرب الأسلم لحل المشاكل بالنمط السلمي الأكثر واقعية، وبالتالي الأكثر منطقية. وما أكسب أوربا القيمة الأولية في العالم، هو رؤيتها بأن هذه الحقيقة تليق بمكانة مجتمعاتها.
عبدالله أوجلان



