الكونفدرالية وتعزيز الوطنية

أزمة الدولة القومية بوصفها أزمة مجتمع، لا أزمة سلطة يُختزل جانب كبير من الفكر السياسي الحديث في سؤال الدولة؛ كيف تُبنى، وكيف تُدار، وكيف تُوزَّع السلطات داخلها؛ ومع مرور الزمن، أصبحت الدولة محور التحليل السياسي، بينما تراجع المجتمع إلى موقع المتلقي، وكأن التاريخ السياسي للبشرية بدأ مع نشوء الدولة، لا مع نشوء المجتمع. ومن هنا، انصرف معظم النقاش إلى إصلاح السلطة، في حين بقي السؤال الأكثر جوهرية مؤجلاً: ماذا يحدث عندما يفقد المجتمع قدرته على تنظيم نفسه؟ إن المجتمع هو الحقيقة التاريخية الأولى، أما الدولة فهي إحدى الصيغ التي أنتجها هذا المجتمع في مرحلة معينة من تطوره؛ فالإنسان لم يتعلم التعاون بعد قيام الدولة، ولم تُولد الأخلاق والقيم والمؤسسات الاجتماعية داخل أجهزتها، بل تشكلت جميعها قبل ذلك بآلاف السنين، حين كان المجتمع ينظم حياته اعتماداً على منظوماته الأخلاقية وعلاقاته الطبيعية؛ ولذلك، فإن السياسة، في أصلها، لم تكن شأناً مؤسساتياً، بل كانت التعبير العملي عن قدرة المجتمع على إدارة نفسه. غير أن مسار الحضارة حمل معه تحولاً تدريجياً، انتقلت خلاله وظائف المجتمع إلى مؤسسات السلطة، حتى غدت الدولة المرجعية الأساسية في تنظيم الحياة العامة، وفي تعريف الهوية، وصياغة الوطنية، وإدارة المجالين السياسي والاجتماعي. لم يكن أثر هذا التحول مقتصراً على توسع وظائف الدولة، بل انعكس أيضاً على المجتمع نفسه، الذي أخذ يفقد، شيئاً فشيئاً، قدرته على إنتاج السياسة، وتحولت مؤسساته الطبيعية إلى كيانات محدودة التأثير، بينما أصبحت المشاركة السياسية تُختزل غالباً في العلاقة بين الفرد والدولة. وتتجلى هذه الإشكالية بصورة أكثر تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث تشكلت مجتمعاته تاريخياً من فسيفساء واسعة من الشعوب والثقافات والأديان واللغات، ولم يعرف، في معظم مراحله التاريخية، نموذج التجانس الذي قامت عليه الدولة القومية الحديثة؛ ولذلك، فإن محاولات إخضاع هذا التنوع لمنطق الهوية الواحدة، أو للمركز السياسي الواحد، لم تُنهِ الاختلاف، بل أعادت إنتاجه في صورة أزمات وصراعات متكررة ومن هذا المنطلق، يذهب القائد أوجلان إلى أن الأزمة الأساسية ليست أزمة سلطة، وإنما أزمة مجتمع؛ أي أزمة نشأت عندما فقد المجتمع موقعه بوصفه الفاعل الأول في تنظيم الحياة السياسية والأخلاقية. ومن هنا، فإن البحث عن بديل لا يبدأ بإعادة تشكيل الدولة، وإنما بإعادة الاعتبار للمجتمع، واستعادة قدرته على تنظيم ذاته، وإنتاج مؤسساته، وبناء إرادته الديمقراطية.
وعلى هذا الأساس، لم تُطرح الكونفدرالية الديمقراطية باعتبارها نموذج جديد للإدارة أو شكلاً مختلفاً لتوزيع السلطات، بل باعتبارها رؤية فلسفية تسعى إلى إعادة السياسة إلى مواضعها الطبيعية داخل المجتمع، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والوطن والديمقراطية انطلاقاً من المجتمع نفسه، لا من الدولة.
أولاً: المجتمع أصل السياسة والدولة ظاهرة تاريخية فعندما يُقرأ التاريخ من زاوية الدولة، يبدو وكأن المجتمعات لم تعرف النظام إلا بعد ظهور السلطة السياسية، وكأن الدولة هي التي أنشأت الاجتماع البشري ومنحته القدرة على الاستمرار.!، غير أن هذه القراءة تقلب التسلسل التاريخي رأساً على عقب؛ فالمجتمع هو الحقيقة الأولى في التاريخ، أما الدولة فهي ظاهرة لاحقة نشأت في ظروف تاريخية محددة، ولم تكن سوى إحدى الصيغ التي ابتكرها الإنسان لتنظيم جانب من شؤونه، لا الأصل الذي وُلدت منه الحياة الاجتماعية. لقد عاش الإنسان آلاف السنين داخل مجتمعات نظمت علاقاتها اعتماداً على الأعراف، والقيم الأخلاقية، وروابط التعاون، وتقاسم المسؤوليات؛ ولم تكن تلك المجتمعات مجرد تجمعات بشرية، بل كانت تمتلك آلياتها الخاصة في إدارة الخلافات، وتنظيم الإنتاج، وحماية تماسكها الداخلي.
ومن هنا، فإن السياسة، في معناها الأول، لم تكن مرتبطة بمؤسسة الدولة، وإنما كانت تعبيراً عن قدرة المجتمع على إدارة نفسه والمحافظة على توازنه. ومع تطور الحضارة، أخذت الدولة تتوسع تدريجياً في وظائفها، حتى أصبحت المرجعية الأساسية في إدارة المجال العام؛ ولم يقتصر هذا التحول على نقل بعض الصلاحيات من المجتمع إلى مؤسسات السلطة، بل أعاد تشكيل الوعي السياسي نفسه، فأصبح يُنظر إلى المجتمع باعتباره موضوعاً للإدارة، لا ذاتاً قادرة على التنظيم. ومع مرور الزمن، ترسخت فكرة أن السياسة لا تُمارس إلا عبر الدولة، وأن المشاركة لا تتحقق إلا من خلال مؤسساتها، بينما تراجعت الأشكال المجتمعية التي كانت تنتج القرار بصورة مباشرة. ومن هذا المنظور، لا تكمن الإشكالية في وجود الدولة بحد ذاته، وإنما في انقلاب العلاقة بينها وبين المجتمع؛ فبدلاً من أن تكون الدولة أداةً نشأت لخدمة المجتمع، أصبح المجتمع مطالباً بالتكيف مع منطق الدولة ومتطلباتها. وهمذا انتقلت السياسة من كونها فعلاً مجتمعياً مفتوحاً، إلى نشاط مؤسساتي تمارسه السلطة نيابة عن المجتمع، الأمر الذي أدى إلى تقلص المجال الذي يمارس فيه الإنسان دوره بوصفه فاعلاً سياسياً. ولهذا، فإن أي مشروع يسعى إلى تجديد الحياة الديمقراطية لا يستطيع أن ينطلق من إصلاح مؤسسات الدولة وحدها، لأنه سيبقى يتحرك داخل الإطار نفسه الذي أنتج الأزمة؛ فالتحول الحقيقي يبدأ عندما يُعاد الاعتراف بأن المجتمع ليس مجرد قاعدة اجتماعية للدولة، بل هو المصدر الذي تستمد منه السياسة معناها وشرعيتها؛ وعندما يستعيد المجتمع هذا الدور، تصبح الدولة جزءاً من البناء السياسي، لا مركزه الوحيد. ومن هذه النقطة تحديداً يبدأ الاختلاف الفلسفي الذي تطرحه الكونفدرالية الديمقراطية؛ فهي لا تبحث أولاً في كيفية إعادة تنظيم الدولة، وإنما في كيفية إعادة المجتمع إلى موقعه التاريخي بوصفه المنتج الأول للسياسة، والحامل الحقيقي للديمقراطية. وهنا ينتقل النقاش من سؤال «كيف تُدار الدولة؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف ينظم المجتمع نفسه؟»، وهو السؤال الذي يشكل المدخل لفهم الكونفدرالية الديمقراطية بوصفها مشروعاً لإحياء المجتمع الأخلاقي والسياسي، لا مجرد نموذج جديد للإدارة.
ثانياً: الكونفدرالية الديمقراطية وإعادة إنتاج المجتمعات الأخلاقية والسياسية فإذا كانت أزمة العصر، وفق هذا المنظور، تتمثل في تراجع المجتمع لمصلحة تمدد الدولة، فإن السؤال لم يعد يتعلق بكيفية بناء سلطة أكثر كفاءة، بل بكيفية إعادة المجتمع إلى موقعه الطبيعي بوصفه الفاعل الأول في الحياة السياسية. وفي هذه اللحظة تنطلق الكونفدرالية الديمقراطية، لا باعتبارها مشروعاً لتغيير شكل الدولة فقط، وإنما باعتبارها مشروعاً لإعادة بناء المجتمع. وتقوم هذه الرؤية على افتراض فلسفي أساسي، مفاده أن المجتمع يمتلك، بطبيعته، القدرة على تنظيم ذاته، فالتنظيم خاصية ملازمة لوجود المجتمع وتطوره، وكلما احتفظ المجتمع بهذه القدرة، ظل قادراً على إنتاج قيمه، وإدارة شؤونه، وحل تناقضاته من داخله؛ أما عندما تُنتزع هذه الوظائف منه، وتُحتكر داخل مؤسسات السلطة، فإنه يفقد تدريجياً استقلاليته، ويتحول من مجتمع منتج للسياسة إلى مجتمع يُدار بالسياسة. ولهذا يطرح القائد أوجلان مفهوم المجتمع الأخلاقي والسياسي، بوصفه النقيض للمجتمع الذي فقد إرادته التنظيمية.
فالأخلاق، في هذا المفهوم هي القدرة الجماعية على إنتاج القيم التي تنظم الحياة المشتركة، والسياسة هي مشاركة المجتمع في اتخاذ القرارات التي تمس وجوده ومستقبله؛ وعندما يجتمع البعدان، الأخلاقي والسياسي، يستعيد المجتمع وظيفته التاريخية، ويصبح قادراً على إدارة نفسه دون أن يكون تابعاً بصورة مطلقة لأي مراكز سلطوية. ومن هنا، لا تُختزل الكونفدرالية الديمقراطية في كونها شبكة من المجالس أو نظاماً للإدارة اللامركزية فقط، لأن هذه المؤسسات جميعها ليست سوى أدوات تنظيمية؛ أما جوهرها الحقيقي، فهو إعادة بناء الحياة السياسية من القاعدة الاجتماعية نفسها، بحيث تصبح الكومينات، والمجالس المحلية، والتعاونيات، والبلديات، والمؤسسات المدنية، فضاءات يمارس المجتمع من خلالها إرادته بصورة مباشرة. فالديمقراطية، وفق هذا التصور، لا تبدأ عند مؤسسات الحكم، بل تبدأ عندما يصبح الإنسان شريكاً فعلياً في تنظيم الحياة . ولذلك، فإن الكونفدرالية الديمقراطية لا تُعرّف نفسها من خلال ما ترفضه فحسب، بل من خلال ما تسعى إلى بنائه. إنها لا تستهدف إلغاء الدولة بصورة كلاسيكية او راديكالية، ولا استبدالها بدولة أخرى، كما لا تجعل من تغيير الحدود السياسية غايتها الأساسية، بل تنقل مركز الثقل من السلطة إلى المجتمع، ومن الإدارة إلى المشاركة، ومن التمثيل السياسي وحده إلى التنظيم المجتمعي المستمر. وبهذا المعنى، فإنها تقيس قوة المجتمع بقدرته على إنتاج مؤسساته الديمقراطية، لا بحجم السلطة التي يمتلكها.
ومن النتائج المهمة التي تترتب على هذا التحول، أن الديمقراطية تعتبر نمطاً ثقافياً للحياة اليومية؛ فكلما توسعت مساحات التنظيم الذاتي، وتوزعت المسؤولية بين الأفراد والمؤسسات المجتمعية، تقلصت الحاجة إلى احتكار القرار، وأصبحت السياسة ممارسة اجتماعية مستمرة، لا حدثاً مرتبطاً بالانتخابات فقط. وهكذا، فإن الكونفدرالية الديمقراطية تقترح إعادة تعريف السياسة نفسها؛ فبدلاً من أن تكون السياسة فناً لإدارة الدولة، تصبح فناً لتنظيم المجتمع؛ وبدلاً من أن يكون المجتمع موضوعاً للسلطة، يصبح مصدر الإرادة. من هذا التحول تحديداً، تنبثق رؤية مختلفة للوطنية، لا تجعلها امتداداً للدولة، بل تعبيراً عن الإرادة المشتركة لمجتمع ينظم نفسه بحرية. ومن هنا، يصبح الانتقال إلى مفهوم الوطنية الديمقراطية نتيجة منطقية لهذا البناء الفكري، وليس مفهوماً منفصلاً عنه.
ثالثاً: الوطنية الديمقراطية بديلاً عن الوطنية الدولتية ارتبط مفهوم الوطنية، في التجربة السياسية الحديثة، ارتباطاً وثيقاً بالدولة القومية، حتى أصبح الانتماء إلى الوطن يُقاس، في كثير من الأحيان، بمدى الاندماج في الهوية الرسمية التي تنتجها الدولة. بهذا المعنى، غدت الوطنية علاقة قانونية وسياسية بين الفرد والدولة، أكثر من كونها علاقة اجتماعية بين الإنسان والمجتمع الذي ينتمي إليه؛ ومع مرور الزمن، أدى هذا التصور إلى اختزال الوطن في مؤسساته، واختزال الوطنية في الولاء لها. غير أن هذا الفهم يثير إشكالية فلسفية عميقة: هل الوطن هو الدولة، أم أن الدولة إحدى الصور التي ينظم بها الوطن نفسه؟ وإذا كان المجتمع هو الذي يسبق الدولة تاريخياً، فهل يجوز أن يصبح وجود الوطن مشروطاً بالشكل الذي تتخذه السلطة السياسية؟
من هذا السؤال تنطلق الوطنية الديمقراطية التي ترفض اختزال الوطن في الدولة؛ فالوطن، وفق هذا التصور، ليس حدوداً مرسومة على الخريطة، ولا جهازاً إدارياً، ولا هوية رسمية مغلقة، وإنما هو المجال التاريخي والاجتماعي الذي تشترك داخله جماعات مختلفة في بناء حياة مشتركة. وهكذا فإن الوطنية لا تُقاس بدرجة التشابه بين أبناء المجتمع، بل بقدرتهم على تحويل اختلافهم إلى شراكة أخلاقية وسياسية.
ومن هنا، فإن التنوع لا يُنظر إليه بوصفه خطراً ينبغي احتواؤه، ولا بوصفه حالة استثنائية تحتاج إلى حلول مؤقتة، بل باعتباره الحقيقة الطبيعية للمجتمعات، وكل مشروع وطني يتجاهل هذه الحقيقة، أو يحاول تجاوزها من خلال فرض هوية واحدة، يبقى معرضاً لإعادة إنتاج التوترات نفسها التي يسعى إلى إنهائها. أما الوطنية الديمقراطية، فتنطلق من الاعتراف بأن وحدة المجتمع لا تنشأ من إلغاء الفوارق، وإنما من بناء إرادة مشتركة تتسع للجميع في آن واحد. ولهذا، لا تقوم الوطنية الديمقراطية على مبدأ الأغلبية والأقلية كأساس للعلاقة بين المكونات، وإنما على مبدأ الشراكة المتكافئة في صناعة المجال العام.
إن الاختلاف القومي، أو الديني، أو الثقافي، لا يمنح امتيازاً لأي مكوت، ولا يبرر الإقصاء، بل يصبح جزءاً من البنية التي تُبنى عليها الديمقراطية نفسها؛ وكلما ازدادت مشاركة المكونات المختلفة في إدارة شؤونها وفي إدارة الشأن العام، ازداد شعورها بالانتماء إلى الوطن، لأن الانتماء هنا لا يُفرض من السلطة، بل يُنتج من خلال المشاركة.
وفي هذا السياق، يرى القائد أوجلان أن الوطنية الديمقراطية تمثل بديلاً للنزعات القومية التي تجعل الهوية أداة للصراع، لأنها تنقل مركز الوطنية من الدولة إلى المجتمع، ومن التجانس إلى التعددية، ومن التنافس على السلطة إلى التعاون في إدارة الحياة المشتركة؛ إذ أن قوة الوطن تُقاس بقدرته على استيعاب شعوبها ضمن مشروع ديمقراطي جامع، يشعر فيه الجميع أنهم شركاء في الوطن، لا ضيوفاً فيه ولا متنافسين عليه.
وعندما تُبنى الوطنية على هذا الأساس، تتحول الديمقراطية من وسيلة لتنظيم السلطة إلى وسيلة لتنظيم المجتمع، ويصبح الدفاع عن الوطن دفاعاً عن التعددية، وعن الحرية، وعن حق جميع مكوناته في المشاركة المتساوية في تقرير مصيره المشترك. وعندئذٍ، تصبح الوطنية ممارسة يومية تُترجمها مؤسسات المجتمع وعلاقاته وقيمه.
رابعاً: التحديات وآفاق التحول إلى الديمقراطية فلا يمكن اختزال الكونفدرالية الديمقراطية كمشروع سياسي منفصل عن سياقه الحضاري الذي نشأ فيه ، لأن الأزمة التي تحاول معالجتها ليست أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة نموذج حضاري أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالمجتمع، وبالاقتصاد، وبالطبيعة، وبالسياسة؛ ولذلك، فإن التحديات التي تواجهها تنبع من منظومة فكرية وثقافية رسخت عبر قرون، مركزية الدولة، والفردانية، وهيمنة السوق على مختلف مجالات الحياة. ومن هذا المنطلق، يرى القائد أوجلان أن الحداثة الرأسمالية لم تكتفِ بإعادة تنظيم الاقتصاد، بل أعادت تشكيل المجتمع نفسه؛ فمع توسع الدولة القومية، وهيمنة رأس المال، وتراجع البنى المجتمعية التقليدية، ضعفت الروابط التي كانت تمنح المجتمع قدرته على التنظيم الذاتي، وأصبحت السياسة أكثر ارتباطاً بإدارة السلطة، وأقل ارتباطاً بإدارة المجتمع، وهكذا، لم يعد الإنسان يشعر بأنه شريك في صناعة الحياة العامة، بل تحول، في كثير من الأحيان، إلى فرد معزول داخل مؤسسات سياسية واقتصادية وثقافية تتجاوز قدرته ووجوده على التأثير والتأثر.
وفي ظل هذا الواقع، لا يرتبط نجاح الكونفدرالية الديمقراطية بإقامة هياكل تنظيمية جديدة بقدر ارتباطه بإحياء المجتمع في محالاته الأخلاقية والسياسية، وتعزيز دور المرأة، وترسيخ الوعي البيئي، ودعم الاقتصاد المجتمعي، وتوسيع فضاءات التنظيم المدني. فكل هذه العناصر ليست قضايا منفصلة، بل تشكل، في مجموعها، البنية التي تجعل المجتمع قادراً على ممارسة الديمقراطية بوصفها أسلوباً للحياة، لا مجرد آلية لإنتاج السلطة. إن التحدي الحقيقي إذاً، لا يكمن في إقناع المجتمعات بجدوى نموذج سياسي جديد، بل في إعادة الاعتبار لفكرة أن المجتمع قادر على أن يكون منتجاً للسياسة، لا مستهلكاً لها، وأن الوطنية يمكن أن تتجسد في التعاون الحر بين مكوناته، لا في إخضاعها لمنطق التجانس. وعندما يتحقق هذا التحول في الوعي، تصبح الكونفدرالية الديمقراطية أكثر من صيغة تنظيمية؛ تصبح تعبيراً عن انتقال حضاري يعيد التوازن بين الإنسان، والمجتمع، والسياسة. لا شك أن التحولات الكبرى في تاريخ المجتمعات لم تبدأ، في جوهرها من استبدال أو تغيير أشكال السلطة، وإنما من التحولات التي أصابت البنية الاجتماعية ذاتها. فالدولة، مهما بلغت قدرتها على التنظيم، تبقى تعبيراً عن واقع المجتمع، وليست بديلاً عنه حين يضعف المجتمع، لا تستطيع الدولة، مهما اتسعت مؤسساتها وتنامت، أن تعوض غياب المبادرة المجتمعية، أو أن تنتج بنفسها الحياة؛ الديمقراطية والوطنية والأخلاق ومن هذا المنطلق، تكتسب الكونفدرالية الديمقراطية أهميتها، لأنها لا تنطلق من البحث عن سلطة جديدة، بل من البحث عن مجتمع جديد؛ مجتمع يستعيد قدرته على تنظيم نفسه، وإنتاج مؤسساته، وصياغة إرادته السياسية بصورة حرة؛ إنها تنقل مركز الثقل من الدولة إلى المجتمع، ومن احتكار القرار إلى المشاركة، ومن الوطنية القائمة على التجانس إلى وطنية تتأسس على الإرادة المشتركة والتعددية والديمقراطية. عندما يُعاد الاعتبار للمجتمع بوصفه فاعلاً أساسياً والمصدر الأول للأخلاق، والتنظيم، والوطنية، والديمقراطية، تصبح السياسة وسيلة لخدمة المجتمعات، وعندها فقط، يمكن الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء حياة سياسية أكثر حريةً وتعدديةً واستقراراً، يكون الإنسان فيها شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد متلقٍ للقرارات التي تُصنع باسمه.
بقلم : حقي زاغروس



