الفوضى في الشرق الاوسط (1)

إن مجتمع الشرق الأوسط ودوله يعبر بكل معنى الكلمة عن ركام متكدس من المشاكل العالقة، فالمشاكل المتنوعة والمتراكمة منذ الماضي الغابر، قد تركت المجتمع مقطوع الأنفاس. أما الأنظمة المفروضة عليه من قبل النظام الرأسمالي بغرض إيجاد الحلول لها، فقد أضحت بحد ذاتها منبعاً لخلق المشاكل. فلا الدول المعنية قادرة على إيجاد الحل، ولا هي تفسح المجال للقوى الممتلكة للحل ـ الداخلية منها والخارجية ـ بأن تقوم بدورها. إن تسمية المشاكل بأنها مجرد أزمة إسلامية، هو تعبير خاطئ للغاية. حيث ثمة ذهنيات سائدة تتخطى نطاق الأديان التوحيدية، وتمتد بجذورها لتصل إلى العهد النيوليتي. تشكلت الكثير من النسج والأنظمة الاجتماعية التي لا يمكن تفسيرها بالظاهرة القومية. إذ تكاد كل عائلة، وليس كل عشيرة وحسب، تتضمن اختلاطاً وتعقيداً أشبه بمشكلة الدولة، تعاني الهوة الشاسعة بين المرأة والرجل اغتراباً حاداً، بقدر ما تعانيه الهوة الكائنة بين المجتمع والدولة.
وكأنه ثمة فوضى يعج فيها حشر من الصم والبكم والعميان الذين لا يتفاهمون فيما بينهم، وقابعون في قاع برج بابل، مثلما تقول الأسطورة. وكأن تلك الأسطورة انتعشت مرة أخرى في نفس المكان. حيث تبذل ما يناهز السبعين من القوى القومية جهودها ومساعيها. لكن الخلل يتفاقم يوماً بعد يوم. فالصراع العربي ـ اليهودي المتبقي من أيام الفراعنة لم يفقد من وتيرتها شيئاً. كذلك تسير التمشيطات المرتبة تجاه الكورتيين (الكرد) بنفس الهمة والسرعة منذ أيام الملوك السومريين. فالشرق الأوسط يتخبط في القرنين الأخيرين ضمن عجلة مراقبة الحضارة الأوربية له. وما يشهده يومنا ليس سوى الفوضى والتراجيديات المأساوية اليومية، بكل ما للكلمة من معنى. فالأسياد كانوا هم القضاة على الدوام وقراراتهم كانت أحادية الجانب باستمرار. ويبدو القانون في أيديهم وكأنه آلية تقيس الحقوق في ميزان العدالة وتوزعها. بيد أن ما يوزع حقاً، ليس سوى القيم المسلوبة، والعقاب مقابل الربح. كما أن الأيديولوجيات الرسمية تخلق مشاكل حقيقية. حيث تسفر في خدمة إضفاء صبغة المشروعية على جوهر العنف للسلطة، والعمل على بسط نفوه وإكسابه أحقيته كوظيفة أساسية لها، لخلق وضع ثابت بموجب ذلك.
إنها تشكل البراديغما الأساسية للمجتمع ـ حاكماً كان أم محكوماً ـ وتعمل على بسطها كوجهة نظر أحادية الجانب ومهيمنة، سعياً منها إلى عرقلة استيعاب الحقيقة، وبالتالي إلى إعاقة بروز السلوكيات الصحيحة والسليمة. وتفرغ كل سلم أو تعاضد اجتماعي محتمل من جوهره الحقيقي في كل لحظة. إن الأطروحات غير الواقعية لتلك الأيديولوجيات هي التي تخلق الذرائع لشن الحروب المعرقلة للسلم الاجتماعي في كل الأوقات وعلى مر التاريخ.
أما فيما يتعلق بالعلم والتقنية، فلا يتم عكسهما على الحل الاجتماعي المرتقَب، بسبب الاحتكار المريع للسلطة إياهما؛ بدلاً من أن يلعبا دورهما المنوط بهما في مثل هذه الأوقات، في التنوير والإرشاد والتوجيه في عملية إعادة البناء، وإفساح المجال لتأمين كل ذلك. يُناط تعريف الفيل بوبره، بدور مشابه لسحق الفأرة بالفيل. علاوة على أن فرص الحل العظمى تُوجَّه صوب حروب وتسلح لا معنى لهما، وصوب الحظي بنتاجات تستهدف الربح المحض؛ مما ينافي احتياجات المجتمع الأولية. وهذا بدوره ما يفتح الطريق أمام السلبيات، ويُستخدَم بالتالي في تطوير الفوضى.
يدخل الكرد مرحلة الفوضى على الدوام وهم مثقلين بوطأة تقاليد المجازر السلبية الساحقة، يحسونها تطأ رقابهم في الأزمات المتفاقمة. فلم يتبق في الواقع سوى ظاهرة كردية مشتتة إلى أشلاء ومحدودة إلى أبعد الحدود. ظاهرة ليست سوى عبارة عن عناصر عائلية تعرضت لمجازر في الذهن والبنية، جعلتها تتجاوز حدود الجهالة المألوفة. لم يعد هذا العنصر الكردي يميز “كيف يكون ذاته“، بحيث الاستفادة منه لأجل أي هدف كان، في خضم الفوضى السائدة في الشرق الأوسط. فبقدر ما يمكن استغلاله بأسلوب وحشي، يعد في نفس الوقت وسيلة مساعدة ومساندة قصوى في بناء الشرق الأوسط بما يستحق العيش فيه. وإذا ما فلح الكرد في إعطاء الجواب على سؤال “كيف أكون ذاتي؟” بمضمون ديمقراطي، فسيكونون ـ بلا شك ـ أحد أهم القوى الريادية في النفاذ من الفوضى العارمة بتفوق ونجاح. حينها لن يتغلبوا على سوء طالعهم فحسب، بل وعلى كل تهاويات شعوب المنطقة ومساراتها المقلوبة. وسيتمكنون عندئذ من وضع حد للإحصائيات الدموية الناجمة عن تقاليد الحضارة الظالمة القائمة منذ خمس آلاف سنة.
وسيجتثون جذور أسياد الحضارة، الذين طالما مهدوا الطريق لظهورهم وخدموهم بكل عمى سابقاً، ليقدموا أهم المساهمات في نمو وازدهار عصر حرية الشعوب. علينا كسب الصراع أولاً في الميدان التثقيفي العقلي، أي في الميدان الذهني.
بالمقدور التوسع أكثر في تعريفنا للفوضى التي مهّد لها النظام بإلحاقه المجتمع برمته بها. لكن هذا التعريف كافٍ ووافٍ لتلبية ما نرمي إليه هنا. بدون إيضاح حالة الفوضى بشكل مفهوم، بل والتفكير والتصرف وكأننا نعيش في نظام اعتيادي مألوف؛ لن ننجو من الوقوع في أخطاء أساسية، وبالتالي من معاناة تكرار العقم واللاحل، عوضاً عن الحل. ثمة حاجة ضرورية للمساعي التثقيفية والعقلية الشاملة في هذه المرحلة، بما يضاهي سابقاتها بأضعاف المرات. نخص بالذكر هنا زيادة قيمتها التنويرية بحق، بسبب ما يسفر عنه سوء فهم المجريات من حولنا – عوضاً عن فهمها – بوساطة البنى العلمية القديمة كالجامعات والدين. فالعلم والدين المرتبطان بالسلطة، يصبحان فعّالان إلى أقصى حد في إظهار الوسط على نحو مشوه ومنحرف، وفي طرح البراديغمائيات الزائفة.
علينا في هذه المراحل أن نرى على نحو أفضل، الدور الذي يؤديه العلم والدين والفن والرياضة كثورة مضادة. تتزايد الحاجة بنسبة كبرى للعلم والبنى العلمية – مدارس وأكاديميات علم الاجتماع – غير المخادعة، والمتقدمة إلى المجتمع بمخططات ومشاريع وبراديغمائيات حقيقية. علينا كسب الصراع أولاً في الميدان التثقيفي العقلي، أي في الميدان الذهني. يجب أن يكون الصراع الذهني متماشياً مع القيم المعنوية. فإذا ما لم تكسب المعنويات الأخلاق مع الذهنية، سيكون ثمة شكوك وريبة في الحصول على النتائج، أو تأمين ديمومتها. إذا ما وضعنا نصب العين حقيقة النظام القائم في تجريده المروع المجتمع من الأخلاق، سنجد أنه من الضروري أن تمثل السلوكيات والشخصيات والمؤسسات الأخلاقية الكافية والضرورية ذاتها في المجتمع. فأي تواجه مع الفوضى يكون مفتقراً إلى الأخلاق، قد ينتهي بابتلاع الفرد والمجتمع على السواء.
يتبع ………….
عبدالله أوجلان



