الفوضى في الشرق الأوسط (2)

الصراع الذهني في الشرق الأوسط:
تشهد ذهنية الشرق الأوسط اعتلالاً تاماً في نظامها. وهي على مسافة بعيدة من الثورة الذهنية بالطراز الغربي. حيث لا ترى داعياً حتى للمرور بالنهضة والإصلاح والتنوير حسب شروطها الخاصة. لكنها بالمقابل لا تتوانى عن استهلاك آخر الموضات الناجمة عن ممارسات تلك المراحل على الصعيد العملي. حتى الذهنية التي تظن أنها عائدة لها، لا تعي كثيراً جذورها التاريخية أو سياق تطورها. وتفسير التاريخ بالنسبة لكل مجموعة، لا يعني أكثر من المديح الجاف المجدب. أي أن التاريخ بالنسبة للجماعات الذهنية عبارة عن مديح وثناء للذات، وتصنيف المناوئين لهم في لائحة الخصم اللدود. ولا يوجد طرف “آخر” ثالث. لا يخطر ببالهم قط التساؤل عن مدى موضوعية أو ذاتية هذه التفاسير. ومثلما لا مكان للتركيبة الجديدة بين القوالب الذهنية، فإن عادة التفكير حسب ثنائية “الأطروحة – الأطروحة المضادة” أيضاً لم تتطور بعد. لذا، فبراديغمائيتها أقرب إلى الأبيض والأسود. ثمة وجهة نظر إلى الطبيعة يغلب عليها الرأي الداكن السوداوي واليائس الفاني، عوضاً عن التفكير في النهضة أو حتى في الطبيعة الحيوية والحركية السائدة في العصور النيوليتية. وتغيب اليوتوبيا في وجهة نظرها إلى المجتمع أيضاً، بقدر ما تفنى عناصر الحِكمة الميثولوجية والدينية الرائعة للتقاليد.
أي أنها لا تسلك مواقف آملة وغبطة، لا لأجل مستقبلها، ولا لأجل ماضيها. ولدى غياب ذلك، ينعدم الإبداع والخلاقية. لقد جفت الثمار العلمية والفلسفية والفنية للذهنية في الشرق الأوسط. ولم يبقَ لديها عزم واضح. من جانب آخر، لا يتناقص فيها الوسط الروحي الأنكى من الطيش والجنون. فقد زال وانمحى الاعتزاز بالماضي والأمل بالمستقبل منذ أمد بعيد. وابتعدت الذهنية عن إعطاء المعنى للحياة، فلم تعد ذات عزم في أي نشاط من أنشطة الحياة. حيث خَبَت جذوة حب التعلم والفهم فيها. أما النقطة التي تصرِف كل طاقاتها فيها، فهي إدارة يومها فقط وإنقاذه. لم تتطور أية كفاءة أبعد من النطاق المحلي (الأحباب جاويشية) البسيط، حتى في أكثر الميادين الاجتماعية شمولية. وترتكز كل الأشكال التنظيمية والحزبية إلى المركزية الأنانية المفرطة والغائرة. لأجل ذلك فهي ماكرة خبيثة للغاية، وتقوم بمجازر القيم. أما المأوى الأخير لها، فهو العائلية الرمزية التي ربما تتصدر لائحة الميادين الأكثر رجعية في الحياة، لافتقادها معناها منذ أمد غابر. ويغيب فيها حب الإنسان والإنسانية المثالية بأعماقه العميقة.
إذ لا يوجد تعريف للإنسان أصلاً حتى تقدر على حبه ووده. حتى أعظم الوطنيين لديها يتحلون بمنفعية منسوجة بنسيج كثيف من المصالح. باختصار، لم يتبقَّ من عوالم الذهنية التاريخية للشرق الأوسط سوى نسيان كبير، وتَبَنٍّ جاهل، وافتقار تام للإبداع، وأخاديع مضلِّلة لا يمكن حتى تخيلها. ولا تتنازل أو حتى تليق بنفسها التفكير أو العمل على اكتساب الذهنية الأوروبية أو ذهنية الشرق الأقصى. بل ولا تفي قدرتها لذلك. لن يكون بمقدور هذه التعاريف الذهنية، التي بإمكاننا التوسع فيها أكثر، أن تنوِّر أية ظاهرة أو حدث أو مرحلة، أو أن تحلها أو تسفر عن نتائج معينة، مهما انعكست عليها. فالانسداد يكمن في الذهنية ذاتها. وبالتحام بعض القوالب الذهنية، من قبيل الدين والقوموية والاشتراكية، مع هذه الذهنية؛ تفقد نوعيتها ومزاياها الحقيقية، لتتحول إلى وسائل عقيمة. فالإسلام الراديكالي لا يعبر أصلاً عن التحديث، بل عن إنعاش التزمت والتصلب ومصطلح الإسلام السياسي لا معنى له سوى كونه استخدام ديني تقليدي للسلطة. من غير الوارد أن تسلك منطقة الشرق الأوسط درب التطور الذهني بالوثوب على مراحل الذهنية التي شهدها الغرب.
فالتشبث بالدين، بل وحتى بالعملية المحضة، أو التوجهات الفلسفية الإيجابية، لا يمكنها بمفردها تأمين التحول الذهني. هذا الوضع القائم في الذهنية قاصر عن تحقيق الحل بشأن أية مشكلة كانت. وانطلاقاً من طبيعتها المؤدية إلى افتقارها لقابلية تكوين تركيبة جديدة مع الذهنيات الأخرى، تفقد جميع أطروحات ومشاريع الحل معناها قبل أن تُطرَح للنقاش. فهي لا تستطيع استيعابها من حيث المعنى، ولا حتى إعطاءها. بل ولا يُعثَر حتى على ذهنية قد تُشكِّل موضوعاً في “الثناء والإطراء للجنون” الذي كان شائعاً في أوروبا في وقت من الأوقات. الثورة الذهنية شرط أولي من أجل تخطي مؤسسات المجتمع المتحولة إلى عقد كأداء، وإعادة بنائها من جديد. لا تقتصر الثورة الذهنية على هضم الفكر الغربي واقتباسه وحسب. فحتى التطورات المحدودة في هذا الميدان لا تذهب أبعد من كونها رقع مهترئة، بسبب نوعيتها المتمفصلة. فحفظ الفكر الغربي عن ظهر قلب، لا ينمّ عن الإبداع. بل يقود إلى العقم والسقم، مثلما يعيق ظهور الثورات الفكرية المحتملة. ورغم كثرة أعداد الاستظهاريين الحفظيين في الأوساط الموجودة، إلا إنه لا يوجد عالِم اجتماع حقيقي. حيث أن الموجودين منهم ليسوا في الحقيقة سوى طَلَبَة دين معاصرين متزمتين إلى آخر درجة.
ذلك أنه ثمة تصوف دارج ومتفشٍ على نحو أكثر رجعية حتى من صوفيي العصور الكلاسيكية. ولو بحثنا عن الفلاسفة والعلماء والمثقفين المتنورين الحقيقيين بالمجهر والمصباح، لما وجدناهم. ولا يؤمن أحد بوجود ضرورة كهذه. وقد اقتُبِسَت لوازم الغرب الأيديولوجية بأسوأ الأشكال. فسواء كانت النزعة القوموية، أو الليبرالية والاشتراكية من الصياغات الأيديولوجية المعاصرة؛ فهي لا تذهب في أدوارها أبعد من نطاق الرجعية والتخلف في ذهنية المتنورين الشرق أوسطيين. الكل يدرك انطلاقاً من الممارسات والتطبيقات الجارية، استحالة إيضاح الواقع الشرق أوسطي عبر مثل تلك القوالب الشعاراتية. بل وتعرُّضه أكثر للدنس والتلوث من خلالها. يجب على الثورة الذهنية أن تملأ فحواها بواقعها الذاتي الخاص بها، إلى جانب استخدامها الصياغات والأشكال الغربية. فبدون تخطي أرضية المعاني التي ترتكز إليها كافة البنى الاجتماعية التاريخية الأولية، عبر قصف ذهني – إن صح التعبير – لا يمكن تكوين قوة المعاني التي ستشكل دعامة البنى الجديدة. أما البنى الخاوية من المعاني، فلا مكانة اجتماعية لها ولا قيمة.
هذا ومن الصعب تنوير المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية بالسياسة، ما لم تُحلَّل الحقيقة والواقع الاجتماعي الذاتي بالأفكار الخاصة به، وما لم تنوَّر الظواهر الوطنية والقومية والإثنية والدينية عبر تلك الأفكار. تطلبت المستجداتُ المعنية بالتيارات البارزة في الفكر الغربي – من قبيل الدين، القومية، والعرقية – بذلَ الجهود المضنية. وأصبح بالإمكان سيادة براديغما الحياة الجديدة، عبر إيجابية مثل تلك الجهود الدؤوبة. أما المتنور الشرق أوسطي، فيسلك مواقف، وكأنه سيبلغ هذه المرحلة عبر الاقتباسات الاستظهارية الحفظية والتكنيكية، دون أن يرى داعياً لبذل جهود عظمى توازي تلك المبذولة في الغرب، ولكن حسب واقعه المرئي. ومحصلة ذلك كانت عدم القدرة على إبداء الجرأة في إحداث الثورة الذهنية الذاتية، بل التخبط في التبعية الذهنية والعقم والوهن إزاء الرأسمالية العالمية. لا يمكن تجاوز فوضى الشرق الأوسط لصالح الشعوب، ما لم تعش المنطقة مراحلها الخاصة بها من النهضة والإصلاح والتنوير، وإن لم يحصل ذلك، فلن تنجو المنطقة آنئذ من استبدادية آلاف السنين المموهة والمصقولة بمكياجات الغرب خلال القرنين الأخيرين.
يتبع ………..
عبدالله أوجلان



